اسد حيدر
210
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
والتزاحم بالمناكب على القضاء هو أقوى عامل لإثارة تلك الفتن وبث روح الشغب والفرقة ، وتغليب مذهب على مذهب بقوة السلطة القائمة ونشر القضاة المناصرين لمذهب على مذهب . وكان القضاة في أغلب الأوقات يثيرون الفتن ويوقدون نار الحرب بين الطوائف . فأحمد بن صاعد الحنفي رئيس نيسابور وقاضيها وكان يلقب بشيخ الإسلام قد بالغ في تعصبه على بقية المذاهب فأغرى بعضهم ببعض حتى لعنت الخطباء أكثر الطوائف على المنابر « 1 » . وأراد القاضي بكار أن يعمل في جامع بني أمية إماما حنفيا ، وكان لا يؤم فيه إلا شافعي ، ولا صعد منبره غير شافعي فأراد هذا القاضي أن يشاركهم بإمام على مذهبه فثارت الشافعية وأغلقوا الجامع وعزل القاضي . « 2 » ولعل من أعظم تلك الفتن التي وقعت بين المذاهب هي فتنة ابن القشيري عندما ورد بغداد سنة 469 ه - وجلس في النظامية وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم ، وكتب إلى الوزير يشكو الحنابلة ويسأله المعونة ، وهجم أصحاب القشيري على زعيم الحنابلة عبد الخالق بن عيسى ، ووقع قتال بين الطرفين وأغلق اتباع ابن القشيري وهم الشافعية أبواب سوق مدرسة النظام ، وغضب أبو إسحاق الشيرازي وكاتب فقهاء الشافعية نظام الملك غضبا لتسلط الحنابلة ، واتسعت الفتنة وفكر الخليفة في حل هذه المشكلة واهتدى إلى سعيه في الصلح ، فجمع القشيري وأصحابه وأبا جعفر الشريف زعيم الحنابلة وأصحابه بمحضر الوزير ، فقام القشيري رئيس الشافعية والتفت إلى الوزير عندما طلب منه الصلح وقال : أي صلح يكون بيننا ؟ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دينا أو تنازع في ملك . فأما هؤلاء القوم فإنهم يزعمون أنا كفار ، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كان كافرا ، فأي صلح يكون بيننا « 3 » ؟ وقد واجه كثير من العلماء الأذى وتحملوا بلاء عظيما عندما يتحولون من
--> ( 1 ) شذرات الذهب ج 3 ص 261 . ( 2 ) طبقات الشافعية ج 1 ص 174 . ( 3 ) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ج 1 ص 22 باختصار .